ابن عطاء الله السكندري
88
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
التي هي المخلوقات تدل بجواهرها وأعراضها وكلياتها وجزئياتها وأنواعها وأجناسها وبديع صنعها على وجود أسماء اللّه تعالى . فمثلا أسماؤه تعالى العليم والمريد والقادر المتعلقة بإيجاد المخلوقات ، تدل على ثبوت صفة العلم والإرادة والقدرة للّه تعالى ، فالعلم يتعلق بالآثار تعلق انكشاف ، والإرادة تتعلق بها تعلق تخصيص على وفق ما كشفه العلم ، والقدرة تتعلق بها تعلق إيجاد من العدم على وفق ما خصصته الإرادة ، وهذه الصفات المتقدمة الذكر تدل على بقية صفات المعاني من الحياة والسمع والبصر والكلام ، وصفات المعاني هذه تدل على ثبوت الصفات المعنوية وهي : كونه تعالى حيا سميعا بصيرا متكلما عليما مريدا قادرا ، وهي بمجموعها تدل على بقية الصفات الكمالية العشرين الواجبة للّه تعالى وهي : الوجود والقدم والبقاء والقيام بالنفس والمخالفة للحوادث والوحدانية . وهذه الصفات تدل على ذات اللّه تعالى لأن الصفة لا تقوم بنفسها إنما هي قائمة بموصوفها والموصوف بها هو اللّه تعالى . وبهذا الإيجاز يتضح لك أيها المسلم كيفية دلالة الآثار الكونية على وجود اللّه تعالى المسمى بالأسماء الحسنى والمتصف بالصفات العلى . أما شرح الحكمة في شطرها الثاني فسأورد ما ذكره الشيخ ابن عباد النفري الرندي في شرحه لها لوضوحه واختصاره ونصه : « فأرباب الجذب يكشف لهم عن كمال ذاته ، ثم يردهم إلى شهود صفاته ، ثم يرجعهم إلى التعلق بأسمائه ، ثم يردهم إلى شهود آثاره . والسالكون على عكس هذا . نهاية السالكين بداية المجذوبين . وبداية السالكين نهاية المجذوبين . لكن لا بمعنى واحد ، فربما التقيا في الطريق هذا في ترقيه ، وهذا في تدليه . عباد اللّه المخصوصون بالقرب منه ، والوصول إليه ينقسمون إلى قسمين : سالكين ومجذوبين . فشأن السالكين الاستدلال بالأشياء عليه ، وهم الذين يقولون ما رأينا شيئا إلا ورأينا اللّه بعده .